اعتبر عبد الفتاح الحيداوي، الكاتب والباحث والناشط الحقوقي، أن بقاء معتقلي ما يعرف بـ«السلفية الجهادية» خارج مسار هيئة الإنصاف والمصالحة يمثل واحدة من أبرز الثغرات التي ظلت عالقة في تجربة العدالة الانتقالية المغربية.
وأوضح الحيداوي، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، أن مسار هيئة الإنصاف والمصالحة انصب على معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتبطة بفترة «سنوات الرصاص»، في حين بقيت الاعتقالات والانتهاكات المزعومة التي أعقبت أحداث 16 ماي 2003 خارج هذا الإطار بسبب الحدود الزمنية لاختصاص الهيئة، الذي شمل الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999.
وبحسب الحيداوي، أفرز بقاء هذا الملف خارج المسار الرسمي للعدالة الانتقالية وعياً لدى المعتقلين السابقين بضرورة بناء مسار مواز للمطالبة بالإنصاف وجبر الضرر، بالاعتماد على أدوات حقوقية وقانونية مستقلة عن الإطار الرسمي.
وأضاف أن انجذاب عدد من معتقلي السلفية الجهادية السابقين إلى الخطاب الحقوقي لم يكن مجرد تحول في اللغة أو المواقف، بل جاء باعتباره فضاءً بديلاً لمعالجة آثار الاعتقال والمطالبة بالاعتراف بما يقولون إنها انتهاكات طالتهم خلال مرحلة الاعتقال والتحقيق والمحاكمة.
وأشار الكاتب والباحث إلى أن عدداً من مراكز البحث الدولية والإقليمية تناول مآلات معتقلي السلفية الجهادية بعد الإفراج عنهم، غير أن هذه الدراسات ظلت متفرقة ولم تتبلور بعد داخل إطار نظري موحد يفسر تحولاتهم السياسية والحقوقية والاجتماعية.
واستحضر الحيداوي دراسة للباحث محمد مصباح، مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات، حول «الجهاديين السابقين المغاربة»، خلصت إلى أن مشاركة عدد من شيوخ السلفية الجهادية البارزين في الحياة السياسية الرسمية، داخل الأطر التي حددتها الدولة، أفرزت نتائج عكسية إلى حد ما.
وأوضح أن هذه المشاركة أدت إلى نوع من العزلة بين بعض الشيوخ وقواعدهم الأيديولوجية السابقة، دون أن تمنحهم نفوذاً حقيقياً على أتباعهم أو تمكن الدولة من ضبط تدفق الشباب نحو ساحات النزاع الخارجية.
وأضاف أن دراسة لاحقة نشرها مركز كارنيغي اعتبرت أن السياسة المغربية في مكافحة التطرف ظلت ذات طابع أمني غالب، في ظل محدودية حضور المجتمع المدني في جهود إعادة إدماج المعتقلين السابقين ومواكبتهم بعد الإفراج عنهم.
وسجل الحيداوي أن برنامج «مصالحة»، الذي أطلقته المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بشراكة مع مؤسسات دينية وحقوقية، مثل خطوة في اتجاه مراجعة الأفكار والمصالحة وإعادة الإدماج، غير أن مسار ما بعد السجن ظل، بحسبه، غير مكتمل في غياب مواكبة مدنية واجتماعية أوسع.
كما أشار إلى دراسة حديثة نشرتها منصة «إنتلجنسيا المغرب»، اعتبرت أن الدولة اعتمدت مقاربة «التفكيك الفردي» بدل التفاوض الجماعي مع هذا التيار، انطلاقاً من التعامل معه باعتباره شبكات عنقودية متفرقة وليس تنظيماً هرمياً موحداً.
ووفق تدوينة الحيداوي، جعلت هذه المقاربة تسوية الملف تسير بوتيرة تدريجية، وأبقت الباب مفتوحاً أمام المعتقلين السابقين لابتكار أشكال جماعية موازية للتعبير والمطالبة بالحقوق والإنصاف.
ويعيد موقف الحيداوي إلى الواجهة النقاش بشأن حدود تجربة العدالة الانتقالية المغربية، وإمكانية إحداث آليات لمعالجة ادعاءات الانتهاكات التي وقعت بعد سنة 1999، بدل استمرار ملفات اجتماعية وحقوقية خارج أي تسوية شاملة.
