انتقد المحامي بهيئة القنيطرة رشيد أيت بلعربي طريقة تعاطي النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بسطات مع تأخير الملفات الجنائية بسبب غياب المحامين، معتبراً أن الكتاب الذي وجهه الوكيل العام للملك إلى الرئيس الأول للمحكمة، تحت عنوان «حول شلل إجرائي»، يثير أسئلة قانونية ودستورية بشأن حدود العلاقة بين النيابة العامة وقضاء الحكم.
وقال أيت بلعربي، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، إن المراسلة تناولت واقع تأخير الملفات المعروضة أمام غرفتي الجنايات الابتدائية والاستئنافية بسبب غياب المحامين، غير أن الوسيلة المعتمدة والجهة التي وُجه إليها الكتاب تطرحان، بحسبه، إشكالاً قانونياً واضحاً.
وأوضح أن غرف الجنايات تتشكل من هيئات قضائية جماعية، يملك قضاتها وحدهم سلطة التقرير في الملفات المعروضة عليهم، سواء تعلق الأمر بتأخير القضايا لإعداد الدفاع، أو استدعاء الشهود، أو إجراء الخبرات، أو تقييم مدى جاهزية الملفات، فضلاً عن إصدار الأحكام باستقلال تام.
واعتبر أن النيابة العامة، متى أرادت تقديم ملتمس بشأن قضية جنائية، يتعين عليها توجيهه إلى الهيئة القضائية المختصة، إما عبر إيداع ملتمساتها داخل الملف، أو تقديمها خلال انعقاد الجلسة، لا بواسطة كتاب موجه إلى الرئيس الأول للمحكمة.
وسجل أن مخاطبة الرئيس الأول بشأن قضايا معروضة على غرف الجنايات تشكل، في تقديره، خللاً في الشكل وفي تحديد الجهة المختصة، لأن القرارات الإجرائية والموضوعية داخل الملفات تبقى من اختصاص الهيئات القضائية التي تنظر فيها.
وذهب أيت بلعربي إلى أن مضمون المراسلة لم يتوقف عند حدود إثارة إشكال تأخير القضايا، بل مس، بحسب قراءته، ثلاث مؤسسات أساسية هي القانون والمحاماة واستقلال القضاء.
واعتبر أن الجانب الأول يتعلق بالقانون، بعدما أوحت المراسلة، وفق فهمه، بإمكانية تجهيز الملفات الجنائية والبت فيها رغم غياب الدفاع، وهو ما رآه مخالفاً للمادة 316 من قانون المسطرة الجنائية، والفصل 120 من الدستور، والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وشدد على أن حق الدفاع لا يمثل إجراءً شكلياً يمكن تجاوزه بدعوى معالجة تأخر الملفات، بل يشكل ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة، خصوصاً في القضايا الجنائية التي قد تنتهي بعقوبات سالبة للحرية.
أما الجانب الثاني، بحسب التدوينة، فيتعلق بالمحامين، بعدما وصفت المراسلة توقفهم عن العمل بأنه «امتناع جماعي ومستمر عن مؤازرة المتهمين».
ورفض أيت بلعربي هذا التوصيف، موضحاً أن الامتناع يفترض حضور المحامي إلى الجلسة ورفضه الاستجابة للهيئة القضائية، أو تعيينه في إطار المساعدة القضائية ثم رفضه القيام بالمهمة، وهو ما قال إنه لا ينطبق على الوضع الحالي.
وأضاف أن المحامين لم يكونوا، عبر تاريخ المهنة، ساعين إلى عرقلة سير العدالة، بل ظل دورهم مرتبطاً بالدفاع عن الحقوق والمساهمة في تحقيق المحاكمة العادلة والارتقاء بمنظومة العدالة.
وأوضح أن توقف المحامين جاء احتجاجاً على مشروع قانون المهنة، الذي يرون أنه ينتقص من مكانتهم ومن دورهم داخل منظومة العدالة، في ظل تعثر الحوار مع الحكومة لأزيد من ثمانية أشهر، وفق ما ورد في التدوينة.
واعتبر أن الحكومة لم تتعامل بالجدية المطلوبة مع مطالب المحامين، ولم تتحرك لتفادي تراكم الملفات وتأخر البت فيها، رغم ما يترتب عن ذلك من آثار مباشرة على المتهمين والمعتقلين والسير العادي للمحاكم.
ووصف أيت بلعربي الجانب الثالث بأنه الأخطر، لأنه يمس استقلال القضاء من خلال تحميله، بصورة ضمنية، مسؤولية استمرار اعتقال المتهمين وعدم البت في قضاياهم.
وأشار إلى أن المراسلة تحدثت عن احتمال تحول استمرار الاعتقال، في ظل تأخر المحاكمات، إلى اعتقال تعسفي، ودعت إلى إيجاد مخرج للوضع، وهو ما اعتبره ضغطاً على الهيئات القضائية من أجل مناقشة الملفات والحكم فيها رغم غياب الدفاع.
وقال إن هذا الطرح يضع قضاة الحكم أمام معادلة صعبة، لأن تأخير الملفات ضماناً لحق الدفاع قد يجعلهم، وفق منطق المراسلة، مسؤولين عن استمرار الاعتقال، بينما البت دون حضور المحامين قد يؤدي إلى خرق مقتضيات قانونية ودستورية صريحة.
وحذر من أن تحميل غرف الجنايات مسؤولية استمرار الاعتقال من شأنه خلق ضغط مؤسساتي على القضاة، ودفعهم إلى اتخاذ قرارات إجرائية لا تنسجم مع شروط المحاكمة العادلة.
كما اعتبر أن مطالبة الرئيس الأول للمحكمة باتخاذ ما يراه مناسباً يمكن أن تُفهم، بحسب قراءته، باعتبارها دعوة إلى التدخل لدى هيئتي الجنايات الابتدائية والاستئنافية من أجل البت في الملفات رغم غياب المحامين.
ووصف أيت بلعربي هذا الاحتمال بأنه «خطيئة قانونية وحقوقية ودستورية»، مذكراً بأن الدستور يضمن استقلال السلطة القضائية، ويمنع التدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ويحظر التأثير غير المشروع على القضاة.
وتوقف صاحب التدوينة كذلك عند تسريب المراسلة إلى وسائل الإعلام، معتبراً أن ظروف خروجها إلى العلن تثير علامات استفهام، وأن نشرها قد يزيد الضغط على الهيئات القضائية التي تنظر في الملفات الجنائية بمحكمة الاستئناف بسطات.
وربط أيت بلعربي موقفه الحالي بما عرفته المحاكم خلال فترة جائحة كورونا، حين جرت آلاف المحاكمات عن بعد في ظروف تقنية وصفها بالهشة، بسبب ضعف جودة الصوت وصعوبة التواصل بين المتهمين وهيئات الحكم والدفاع.
وقال إن النيابة العامة، التي لم تتحرك حينها بما يكفي في مواجهة ما اعتبره خروقات لشروط المحاكمة العادلة، أصبحت اليوم، بحسب قراءته، تدفع نحو تجاوز نصوص صريحة تحمي حق الدفاع، عوض المطالبة باحترامها.
وخلص أيت بلعربي إلى أن البلاد توجد أمام خطوة غير مسبوقة في طريقة تعاطي النيابة العامة مع قضايا معروضة على قضاء الحكم، داعياً إلى حماية استقلال الهيئات القضائية وعدم تحميلها مسؤولية أزمة ناتجة عن تعثر الحوار بين الحكومة والمحامين.
وتبقى المواقف الواردة في التدوينة تعبيراً عن قراءة صاحبها للمراسلة ولآثارها القانونية، في انتظار أي توضيح رسمي من رئاسة النيابة العامة أو المسؤولين القضائيين بمحكمة الاستئناف بسطات بشأن مضمون الكتاب وأهدافه.
