استحضر الباحث والكاتب إدريس الكنبوري مفهوم «السيبة» في تاريخ المغرب لوصف ما يعتبره اختلالاً عميقاً في الحياة السياسية والحزبية اليوم، معتبراً أن بعض الأحزاب باتت، وفق تشبيهه، تؤدي الدور الذي كان يقوم به شيوخ القبائل في زمن ضعف الدولة المركزية، من خلال توفير الغطاء لأشخاص تحوم حولهم شبهات بدل إخضاعهم للفرز والمحاسبة قبل الوصول إلى المؤسسات المنتخبة.
وقال الكنبوري، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، إنه كلما شاهد هذه الأيام مقاطع لسياسيين يخطبون أو يرقصون، خصوصاً ممن «دارت حولهم شبهات»، يتذكر مرحلة السيبة في المغرب قبل الحماية، حين كانت بعض القبائل تزحف على السلطان وتتمرد على الدولة المركزية.
وربط الكنبوري بين تلك المرحلة التاريخية وواقع الأحزاب السياسية اليوم، قائلاً إن الاستعمار بعدما تمكن من إخضاع القبائل، أصبحت الأحزاب، بحسب قراءته، تشغل الموقع نفسه وتؤدي دوراً مشابهاً عبر «الزحف على الدولة وإسقاط هيبتها أمام الرعية».
وذهب الكاتب أبعد من ذلك في تشبيهه، معتبراً أن الحماية التي كان يوفرها شيخ القبيلة لأفراد قبيلته تجد صورتها الحديثة داخل بعض التنظيمات الحزبية، وكتب: «كان ابن القبيلة يفسد ثم يحتمي بشيخ القبيلة كما يفعل اليوم السياسيون الفاسدون الذين يحتمون بالحزب».
ووصف الكنبوري هذا الوضع بـ«السيبة السياسية»، معتبراً أن أحد أبرز مظاهرها يتمثل في غياب أخلاقيات واضحة للترشيح، وفتح الطريق أمام الترشح دون وجود منظومة صارمة لفرز المرشحين وفحص مساراتهم ومصادر ثرواتهم.
وكتب في هذا السياق: «كل من هب ودب يترشح»، منتقداً غياب قوانين ضابطة لقيم المرشح، وعدم وجود آليات كافية لـ«غربلة مساره» ومراقبة ثروته أو لجنة عليا تتولى عملية الفرز.
وبحسب الكنبوري، فإن ترك سلطة الترشيح بشكل أساسي للأحزاب يجعلها صاحبة القرار الأول في تحديد الأشخاص الذين يصلون إلى الناخبين، في وقت وصف فيه الدولة بأنها «مجرد متفرج، نظريا».
ولخص الكنبوري ما يعتبره اختلالاً في معادلة الترشيح والاختيار بالقول: «الأحزاب هي التي ترشح والناخب يقترح والدولة تختار»، بعدما كتب قبل ذلك أن «الأحزاب هي التي تقرر، والدولة مجرد متفرج، نظريا».
ويرى الكنبوري أن بداية الإصلاح لا تمر فقط عبر تغيير الأشخاص أو رفع الشعارات الانتخابية، وإنما من خلال وضع معايير دقيقة تتعلق بالذمة المالية للمرشح، وثروته وسوابقه والمسار الذي راكم خلاله أمواله وكيفية إنفاقها.
وختم تصوره بالتأكيد على أنه عندما تصبح هناك «معايير مضبوطة حول ذمة الشخص وثروته وسوابقه ومن أين جمع ماله وفيم أنفقه»، يمكن عندها، في نظره، الحديث عن الخطوة الأولى الحقيقية في إصلاح الحياة السياسية.
