بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد النتائج المالية التي أعلنت عنها شركة مناجم (Managem S.A.)، التابعة لمجموعة Al Mada، برسم سنة 2025 مجرد أرقام تُدرج في تقارير المستثمرين؛ بل تحولت إلى مؤشر واضح على دخول المجموعة مرحلة من الأداء المالي اللافت.
فقفزة النتيجة الصافية من 620 مليون درهم إلى حوالي 3.002 مليار درهم في سنة واحدة، تعكس دينامية قوية تطرح، بهدوء، تساؤلات حول توزيع الثروة المعدنية وجدوى النموذج الاستخراجي المغربي في صورته الحالية.
وبحسب المعطيات المالية المعلنة، يرتبط هذا الأداء الاستثنائي بالدخول الفعلي لمشاريع كبرى حيز الاستغلال، وعلى رأسها مشروع الذهب “بوتو” بالسنغال ومشروع النحاس “تيزيرت” بالمغرب، إلى جانب سياق دولي مواتٍ لأسعار المعادن.
وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى انعكاس هذه الدينامية على الخزينة العامة والساكنة المحلية في مناطق الاستخراج، خاصة في ظل تحقيق هامش استغلال يقارب 44%.
لكن، بعيداً عن لغة الأرقام المنتشية بعبور حاجز الثلاثة مليارات درهم، يبرز سؤال مركزي حول كيفية ترجمة هذه النتائج إلى أثر ملموس على المستوى المحلي.
فالهامش المرتفع للاستغلال يضع المجموعة ضمن الفاعلين الكبار في القطاع، لكنه يفتح في الآن ذاته نقاشاً حول مدى استفادة المناطق المنجمية من هذه الدينامية، سواء على مستوى البنيات التحتية أو فرص الشغل أو التنمية المجالية.
إن حق المواطن في هذه الثروات لا ينبغي أن يظل رهيناً بمبادرات اجتماعية محدودة، بل يمر عبر آليات مؤسساتية قادرة على تحويل الموارد المستخرجة إلى قيمة مضافة وفرص شغل مستدامة.
غير أن قراءة هذه النتائج تظل ناقصة دون التوقف عند تفاصيل الأداء داخل السنة نفسها.
إذ تُظهر المعطيات نصف السنوية أن المجموعة سجلت مساراً غير متجانس، حيث عرفت النتائج الفردية تراجعاً خلال النصف الأول، مقابل تحقيق توازن على مستوى الحسابات المجمعة، قبل أن تتجه السنة نحو نتائج قياسية مدفوعة بتسارع الإنتاج وتحسن الأسعار.
هذا التفاوت بين الأداء المرحلي والنتائج الختامية يفرض قدراً من اليقظة في قراءة المؤشرات، ويطرح تساؤلات حول وضوح الصورة لدى الرأي العام بخصوص دينامية القطاع.
وإذا كان ارتفاع رقم المعاملات بنسبة 55% ليصل إلى حوالي 13.7 مليار درهم، إلى جانب تضاعف الفائض الخام للاستغلال بنسبة 125%، يؤكد تحول “مناجم” إلى فاعل إقليمي بارز، فإن خريطة انتشارها تكشف بدورها تحوّلاً أعمق.
فالمجموعة لم تعد محصورة داخل المغرب، بل تمتد أنشطتها إلى عدة دول إفريقية، خاصة في مجال الذهب، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء موقع استراتيجي في سوق المعادن على المستوى القاري.
وتُبرز الحسابات المجمعة للمجموعة أيضاً حجمها المالي الكبير، حيث تجاوز إجمالي أصولها 31 مليار درهم، وهو ما يعكس طبيعة الاستثمارات الثقيلة التي يتطلبها قطاع التعدين.
وفي المقابل، تعكس بنية التمويل اعتماداً متوازناً بين الرساميل الذاتية والتمويلات، بما يواكب طبيعة المشاريع طويلة الأمد في هذا القطاع.
كما تعتمد المجموعة معايير محاسبية دولية (IFRS)، إلى جانب آليات تدبير المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسعار، ما يعكس انخراطها في منطق شركات التعدين العالمية.
وفي هذا السياق، تشير القوائم المالية إلى اعتماد آلية الضرائب المؤجلة، وهي ممارسة محاسبية معتمدة تتيح توزيع العبء الضريبي على فترات زمنية مختلفة، خصوصاً في القطاعات التي تقوم على استثمارات طويلة الأمد، وهو ما يثير نقاشاً حول توقيت مساهمة الشركات الكبرى في المجهود الجبائي.
وفي امتداد لهذا النقاش، يبرز سؤال توطين القيمة المضافة كأحد مفاتيح السيادة المعدنية.
فالتحدي لا يتعلق فقط بحجم الإنتاج، بل بمدى القدرة على تحويل هذه الموارد داخل الاقتصاد الوطني، بما يساهم في خلق فرص شغل مؤهلة وتعزيز النسيج الصناعي، بدل الاكتفاء بمنطق الاستخراج والتصدير.
لا يتعلق الأمر فقط بحجم الأرباح، بل بطبيعة الأثر الذي يمكن أن تُحدثه داخل الاقتصاد الوطني. فبين أرقام البلاغات المالية وواقع المناطق المنجمية، يظل التحدي قائماً: هل تتحول هذه الدينامية إلى رافعة تنموية حقيقية، أم تظل جزءاً من دورة عالمية تقودها تقلبات الأسواق أكثر مما توجهها الاختيارات الوطنية؟
