بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن الحكم القاضي بحبس مغني الراب “الحاصل” ثمانية أشهر نافذة مجرد سطر عابر في سجلات المحكمة الابتدائية بمدينة تازة، بل شكّل لحظة قانونية لافتة في فضاء الإبداع الرقمي، تعيد طرح حدود “المسموح” و”الممنوع” داخل التعبير الفني.
فإدانة فنان شاب بتهم تتعلق بـ”الإخلال بواجب التوقير” و”إهانة هيئة منظمة” تضع النقاش في قلب مفارقة دقيقة: كيف يمكن التوفيق بين حماية المؤسسات من جهة، وضمان هامش كافٍ للتعبير الفني من جهة أخرى؟
إن الإشكال في قضية “صهيب قبلي” لا يرتبط فقط بشخص المعني بالأمر، بل يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول كيفية تأويل الخطاب الفني داخل المنظومة القانونية.
فعندما يتم التعامل مع تعابير فنية وردت في أغنية أو تدوينة، يبرز تحدي التمييز بين ما هو مجازي ورمزي، وما يمكن اعتباره مساساً بالمؤسسات.
والراب، بحكم طبيعته، يقوم على النقد المباشر واللغة الحادة، وهو ما يجعله في تماس دائم مع حدود التأويل القانوني.
خلال أطوار المحاكمة، حاول الدفاع الدفع في اتجاه اعتبار المحتوى المنشور تعبيراً فنياً يندرج ضمن حرية الإبداع، دون نية للمساس بالمؤسسات.
في المقابل، عكس الحكم مقاربة قانونية تقوم على حماية التوازن بين حرية التعبير وواجب التوقير، حيث تم إسقاط بعض التهم لعدم كفاية الأدلة، مقابل الإبقاء على أخرى اعتُبرت قائمة من الناحية القانونية. هذا التمييز يبرز تعقيد التعامل مع قضايا التعبير، خاصة حين تتداخل فيها اللغة الفنية مع الخطاب العام.
ويطرح هذا الملف، بهدوء، سؤالاً أعمق: هل تُبنى هيبة المؤسسات أساساً عبر آليات الزجر، أم من خلال تعزيز الثقة والانفتاح على النقد؟ فالتجارب المقارنة تشير إلى أن قوة المؤسسات ترتبط بقدرتها على استيعاب النقاش العمومي، بما في ذلك التعبيرات الفنية التي قد تكون حادة أو صادمة في بعض الأحيان.
كما أن التفاعل الذي رافق القضية، سواء عبر منصات التواصل الاجتماعي أو من خلال الوقفات الاحتجاجية، يعكس وجود حساسية متزايدة لدى فئات من المجتمع تجاه قضايا حرية التعبير الفني.
وهو ما يجعل من هذا النوع من الملفات أكثر من مجرد قضايا فردية، بل مؤشراً على طبيعة العلاقة بين الإبداع والقانون داخل الفضاء العمومي.
وفي هذا السياق، قد يُفهم الحكم الصادر في حق “الحاصل” لدى بعض المتابعين باعتباره إشارة إلى حدود ينبغي عدم تجاوزها في نقد المؤسسات، خاصة عندما يتم التعبير بلغة مباشرة أو حادة.
غير أن هذا الفهم يظل خاضعاً لتأويلات متعددة، ويعكس في العمق نقاشاً مستمراً حول كيفية تحقيق التوازن بين حرية التعبير ومتطلبات حماية المؤسسات.
في العمق، تضع قضية “الحاصل” الجميع أمام اختبار دقيق: كيف يمكن صون هيبة المؤسسات دون التضييق على فضاءات التعبير؟ وكيف يمكن للفن أن يحتفظ بوظيفته النقدية دون أن يصطدم بالسقف القانوني؟ بين هذين الحدين، يتشكل اليوم نقاش ضروري حول مستقبل التعبير الفني في المغرب، نقاش لا يهم الفنانين فقط، بل يمتد ليشمل طبيعة الفضاء العمومي وحدود الحرية داخله.
