بقلم: الباز عبدالإله
بينما تنشغل التقارير الرسمية بلغة الأرقام “الإيجابية” حول تعميم التمدرس وتراجع نسب الأمية، تأتي معطيات “رصد التعليم 2026” الصادر عن اليونسكو لتُعيد مساءلة هذا التفاؤل، وتسلّط الضوء على مفارقة لافتة داخل المنظومة التعليمية.
فالمغرب نجح، إلى حد كبير، في توسيع قاعدة الولوج إلى المدرسة، لكنه ما يزال يواجه تحديات عميقة تتعلق باستمرارية المسار الدراسي وجودة التعلمات.
إن الرقم الذي يستدعي التوقف لا يقتصر على مئات الآلاف من الأطفال خارج المدرسة، بل يمتد إلى النسبة المرتفعة من التلاميذ الذين لا يصلون إلى نهاية المسار التعليمي.
فمعطيات التقرير تشير إلى أن جزءاً كبيراً من التلاميذ يغادرون المنظومة قبل الحصول على شهادة البكالوريا، في مسار يعكس صعوبات متراكمة في الانتقال بين الأسلاك، ويطرح تساؤلات حول قدرة المدرسة على الاحتفاظ بمنتسبيها.
نحن هنا أمام شكل من “الإقصاء التدريجي غير المعلن”، الذي يتسلل عبر التعثرات المتكررة، لا عبر قرارات صريحة.
ولا يتعلق الأمر فقط بالاستمرارية، بل أيضاً بالمردودية.
فماذا يعني أن يقضي التلميذ سنوات داخل الفصول الدراسية دون أن يحقق الحد الأدنى من الكفايات في القراءة والرياضيات؟ تشير المعطيات إلى أن نسبة مهمة من المتعلمين، خصوصاً في المرحلة الإعدادية، لا تصل إلى هذا المستوى الأساسي، ما يعكس فجوة بين زمن التمدرس وزمن التعلم الفعلي.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: ليس كل من يمر عبر المدرسة يخرج منها متعلماً.
في هذا السياق، تبدو المدرسة، في بعض الحالات، وكأنها تؤدي وظيفة اجتماعية مؤقتة لضبط الزمن المدرسي، أكثر من كونها فضاءً لإنتاج الكفايات.
وهو ما يفسر، جزئياً، تعثر عدد من المسارات الدراسية، واتجاه بعض التلاميذ نحو مسارات اجتماعية هشة أو خيارات محفوفة بالمخاطر، بدل الاستفادة من التعليم كرافعة حقيقية للارتقاء.
وتتعمق هذه الإشكالات حين ننظر إلى الفوارق المجالية والاجتماعية، التي ما تزال تؤثر بشكل واضح على فرص الاستمرار والنجاح.
فالتلميذ في الوسط القروي، أو المنتمي لأسرة ذات دخل محدود، يواجه تحديات مضاعفة مقارنة بغيره، سواء من حيث شروط التعلم أو فرص الدعم والمواكبة. في المقابل، تستفيد فئات أخرى من إمكانيات إضافية تعزز حظوظها في إتمام الدراسة وتحقيق نتائج أفضل، وهو ما يجعل مسار التمدرس، في بعض الحالات، مرتبطاً بعوامل تتجاوز المدرسة نفسها.
وفي خضم هذه الصورة المركبة، لا يمكن إغفال بعض المؤشرات الإيجابية، خاصة ما يتعلق بتوسيع التعليم الأولي وارتفاع نسب التمدرس في السنوات الأخيرة، وهي مكتسبات تعكس توجهاً نحو تقوية الأساس المبكر للتعلم.
غير أن الرهان الحقيقي يظل في تحويل هذه المكاسب إلى نتائج ملموسة على مستوى جودة التعلمات واستمرارية المسار الدراسي.
لقد انتقل النقاش اليوم من سؤال “كم عدد الأطفال داخل المدرسة؟” إلى سؤال أكثر عمقاً: “ماذا يتعلم هؤلاء الأطفال فعلياً؟”.
فالتحدي لم يعد في ملء المقاعد الدراسية، بل في ضمان أن المدرسة قادرة على أداء دورها التربوي كما ينبغي، بما يعيد الاعتبار للتعلم كحق فعلي، لا مجرد حضور شكلي.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل الرهان قائماً على تحقيق توازن دقيق بين توسيع الولوج وتحسين الكيف، حتى لا تتحول المدرسة، تدريجياً، إلى فضاء يعكس الفوارق بدل أن يساهم في تقليصها، ويعيد، بإلحاح، طرح سؤال العدالة التعليمية كمدخل أساسي لأي إصلاح فعلي لمنظومة التعليم.
فهل يكمن الخلل في التشخيص، أم في تنزيل هذه الإصلاحات التي تستهلك الملايير من المال العام دون أن يلمس المواطن أثرها في مستوى ابنه داخل الفصل؟
