بقلم: الباز عبدالإله
شكّلت تفجيرات 16 ماي 2003 بالدار البيضاء منعطفاً حاسماً في التاريخ المعاصر للمغرب، إذ أعادت ملف الأمن إلى صدارة الأولويات ودفعت الدولة إلى مراجعة عميقة في أسلوب تدبيرها للمخاطر.
في تلك الليلة، فجّر انتحاريون ينتمون إلى خمس خلايا أنفسهم في العاصمة الاقتصادية للمملكة، مخلفين 45 قتيلاً، من بينهم 12 من المنفذين، وأكثر من مئة جريح.
لم يكن الحدث مجرد عمل إرهابي معزول، بل صدمة وطنية دشّنت مرحلة جديدة في مقاربة الأمن وموازين القرار.
استهدفت الهجمات مواقع ذات حمولة رمزية، من بينها ساحة في المدينة القديمة، فندق فرح، مطعم “كازا دي إسبانيا”، نادي التحالف الإسرائيلي، ومطعم بوزيتانو.
اختيار هذه الأهداف عكس خطاباً أيديولوجياً عابراً للحدود، لكنه تجسد بأدوات محلية ومنفذين مغاربة.
ومع انكشاف انتماء أغلبهم إلى حي سيدي مومن الهامشي، تحوّل النقاش من فرضية “إرهاب مستورد” إلى مساءلة أعمق لعوامل التهميش والهشاشة الاجتماعية.
السياق لم يكن خالياً من إشارات مسبقة فقد سبقت التفجيرات حوادث متفرقة، من بينها جريمة رجم في مارس 2002، وتفكيك خلية كانت تخطط لاستهداف هدف بحري في مضيق جبل طارق، ثم إحباط هجوم على مجمع “ميغاراما” السينمائي في مارس 2003.
كانت تلك الوقائع تنذر بتحول أمني يقترب بصمت.
في أعقاب الفاجعة، دخلت المنظومة الأمنية مرحلة إعادة ترتيب واضحة برز اسم فؤاد عالي الهمة، الذي كان يشغل منصب وزير منتدب في الداخلية، ضمن الوجوه التي تبنت مقاربة حازمة في مواجهة التيارات المتشددة.
وبعد عامين، عُيّن ياسين المنصوري سنة 2005 مديراً عاماً للمديرية العامة للدراسات والمستندات (المخابرات الخارجية). الرجلان، اللذان درسا في الإعدادي الملكي بالرباط ضمن نفس الجيل إلى جانب الملك محمد السادس، أصبحا تدريجياً من أبرز ملامح دائرة الثقة التي صعدت إلى قلب القرار الأمني في مرحلة ما بعد 16 ماي.
التحول لم يكن محصوراً في التعيينات، بل شمل إعادة توزيع النفوذ داخل أجهزة حساسة، وتعزيز آليات التنسيق، ومراجعة أنماط الاشتغال.
شهدت السنوات اللاحقة تغييرات طالت قيادات بارزة، في سياق إعادة تشكيل المشهد الأمني وتركيز القرار داخل دائرة أكثر انسجاماً مع توجهات المؤسسة الملكية.
وبحلول نهاية 2006، كانت خريطة المسؤوليات قد عرفت إعادة رسم واضحة، مع صعود جيل جديد من المسؤولين ارتبط اسمه بثقافة الثقة والاستمرارية المؤسسية.
في الوقت ذاته، أطلقت الدولة دينامية تشريعية واسعة في مجال مكافحة الإرهاب، وجرى تطوير أدوات قانونية وأمنية جديدة، بالتوازي مع نقاش عمومي حول التوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات الحقوق والحريات.
كما عاد السؤال الاجتماعي إلى الواجهة: إلى أي حد يمكن للسياسات التنموية أن تسهم في تجفيف منابع التطرف؟
بهذا المعنى، لم تكن تفجيرات 16 ماي محطة عابرة، بل لحظة أعادت صياغة أولويات الدولة وأطلقت مساراً تحوّلياً داخل بنيتها الأمنية.
ومن قلب هذا المسار برزت ثنائية المنصوري والهمة، ليس بوصفهما “مصلحين”، بل كوجهين بارزين لمرحلة إعادة ترتيب القرار الأمني في المغرب بعد 2003، في سياق تداخل فيه عنصر الثقة الشخصية مع منطق الدولة ومقتضيات التحول…
