بقلم: الباز عبدالإله
بينما ينشغل الرأي العام الوطني بتفاصيل البلاغات الهادئة التي أصدرها مجلس المنافسة أمس الجمعة، حول الانتقال إلى “المراقبة الشهرية” لأسعار الغازوال والبنزين، يبدو أننا نعيش فصلاً جديداً من فصول الهروب إلى الأمام؛ فالسؤال لم يعد: “هل يراقب المجلس الأسعار؟” بل: ما جدوى مراقبة سوقٍ تتزايد فيه هيمنة عدد محدود من الفاعلين؟ إن الانتقال من منطق الدعم المباشر إلى تشديد المراقبة ليس مجرد إجراء تقني، بل هو إقرار ضمني بحدود النموذج الذي رافق تحرير الأسعار سنة 2015، حين قيل إن المنافسة ستسهم في خفضها، غير أن الواقع أظهر أن الأسعار تحررت من “سقف الدولة” دون أن تتكرس بالقدر الكافي شروط تنافسية فعالة.
اليوم، تبدو “عين المراقب” التي تتحدث عنها البلاغات الرسمية أشبه بكاميرا توثق الحادث دون أن تملك القدرة على منع الاصطدام؛ فالمراقبة الشهرية، وإن كشفت هوامش الربح، لا تملك سلطة قانونية لإجبار الشركات على خفض السعر ما دام “التحرير” هو الإطار العام، وهنا تصبح المراقبة، في نظر جزء من الرأي العام، أقرب إلى محاولة لاحتواء القلق الاجتماعي منها إلى آلية ضبط فعلي.
والجرأة تقتضي طرح السؤال حول مدى توفر شروط المنافسة الكاملة، إذ عندما يتحكم عدد محدود من الفاعلين في التخزين والتوزيع، يصبح من السهل أن تتحرك الأسعار بإيقاع متقارب؛ نراها ترتفع بسرعة في محطات الوقود، بينما يُلاحظ تريث في عكس الانخفاضات بدعوى كلفة المخزون، وهو ما يثير تساؤلات حول فعالية آليات الضبط الحالية أمام خصوصية هذا القطاع الاستراتيجي.
إن المراقبة التي لا تنتهي بقرارات زجرية أو عقوبات رادعة في حال ثبوت ممارسات منافية لقواعد المنافسة، تظل أقرب إلى تمرين تقني في تتبع المؤشرات، بينما ينتظر المواطن أثراً ملموساً في فواتير الاستهلاك.
كما أن هذا النقاش لا يمكن فصله عن بعدٍ سيادي يتجاوز الأسعار إلى طبيعة النموذج الطاقي نفسه؛ إذ إن استمرار الارتباط القوي بتقلبات الاستيراد يضع السيادة الطاقية والقدرة الشرائية معاً تحت ضغط دائم، وهو ما يفرض التفكير في تعزيز قدرات التخزين وإعادة إحياء منصات التكرير الوطنية، ليس فقط كخيار اقتصادي، بل كرافعة استراتيجية لتقوية هامش المناورة.
ومما يزيد المشهد تعقيداً، تلك المفارقة التي تضع الدولة في موقع المستفيد غير المباشر من ارتفاع الأسعار؛ فبنية الثمن، وتحديدا الضريبة على القيمة المضافة (TVA) المحتسبة كنسبة مئوية، تجعل من الموارد الجبائية عاملاً يتصاعد آلياً مع كل زيادة في السعر.
وهنا يبرز تساؤل مشروع: كيف يمكن تحقيق التوازن بين دور الدولة كمنظم للسوق، وبين ‘انتعاشها الجبائي’ المرتبط بغلاء المعيشة؟ إن غياب آليات ضريبية مرنة قادرة على التكيف مع الأزمات يطرح تحدياً إضافياً، إذ يصبح تخفيف العبء عن المستهلك رهيناً بقرارات ظرفية بدل أن يكون جزءاً من منظومة تلقائية للتوازن تضمن تقاسم كلفة الأزمات بين مختلف المتدخلين.
وفي السياق ذاته، يبرز سؤال الأدوات الجبائية كمدخل عملي لتخفيف الصدمات، من خلال التفكير في آليات مرنة تواكب تقلبات السوق الدولية، بحيث يتكيف العبء الضريبي مع منحنى الأسعار.
كما أن تطور النتائج المالية لعدد من الفاعلين في القطاع خلال السنوات الأخيرة يطرح، بهدوء، تساؤلات حول التوازن بين دينامية الأرباح وقدرة المستهلك على التحمل، في سياق يتطلب قدراً أكبر من الانسجام بين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاقتصادية.
لقد نجحت الدولة في تقليص كلفة دعم المحروقات ووفرت موارد مالية مهمة، لكنها ما زالت تبحث عن التوازن الأمثل لحماية القدرة الشرائية، فالدعم الموجه لمهنيي النقل ظل تدبيراً ظرفياً لا يعالج جذور الإشكال، والمراقبة الحالية تعكس توجهاً نحو تعزيز الشفافية، غير أنها تطرح بدورها سؤال النجاعة.
إن التوازن الدقيق الذي تبحث عنه الدولة لن يتحقق بالتقارير الدورية فقط، بل بإجراءات أعمق تزاوج بين حرية الأسعار ومتطلبات الحماية الاجتماعية.
إن الرهان اليوم يتجاوز حدود “البلاغات الهادئة”؛ فإما أن ينجح مجلس المنافسة في الانتقال من دور “الموثق” إلى دور “الفاعل الحازم” الذي يضمن توازنات السوق، أو أننا سنظل ندور في حلقة تتكرر فيها المراقبة دون أن تنعكس بالقدر الكافي على الواقع المعيشي، فالمواطن لا يحتاج لمراقب يسجل عدد الطعنات، بل لحارس يمنع النزيف.
