بقلم: الباز عبدالإله
بينما كان المواطن المغربي يراقب بعداد من القلق أرقام الأسعار في محطات الوقود وهي تتجاوز حاجز الـ 13 والـ 14 درهماً، كانت الآلات الحاسبة في المقرات المكيفة لشركة TotalEnergies تسجل إيقاعاً مختلفاً تماماً.
وكشفت مصادر مهنية أن الشركة حققت خلال السنة الجارية أداءً مالياً قوياً، تُوّج بأرباح صافية بلغت 851 مليون درهم؛ رقم ليس مجرد نجاح تجاري عابر، بل هو مؤشر رقمي صادم يعكس اختلالات داخل سوق اشتغل لسنوات تحت شعار التحرير الذي بدأ عام 2015.
لقد قيل حينها إن رفع يد الدولة سيخلق منافسة تخفض الأثمان، لكن الممارسة أبانت عن مفارقة لافتة، حيث أصبح التحرير إطاراً يسمح بهوامش أوسع: ترتفع الأسعار دولياً فيتفاعل معها السوق سريعاً، بينما يكون الانخفاض أكثر بطئاً في المغرب بذريعة حماية المخزون، وهو ما يوحي بأن السوق لا يبيع الوقود فقط، بل يعكس أيضاً حدود ضبطه.
المشكلة هنا لا تنحصر في “توتال” وحدها، بل في بنية السوق المغربي التي باتت أقرب إلى سوق يهيمن عليه عدد محدود من الفاعلين، مما يجعل أي حديث عن المنافسة محدود الفعالية؛ فالمستهلك يجد نفسه في سياق محدود الخيارات، والطلب يظل قائماً بحكم الحاجة اليومية.
وحتى تلك الاستثمارات التي تفتخر بها الشركة في مجال الطاقة الشمسية، تبدو في عمقها آلية لتعزيز الكفاءة وتقليص التكاليف، غير أن أثرها المباشر على سعر “اللتر” يظل غير ملموس، حيث لا يلاحظ المواطن أي انعكاس واضح، بينما تساهم هذه التحسينات في تعزيز مردودية المساهمين في شكل أرباح ذات بعد “مستدام”.
وفي ظل هذا المشهد، يظل دور مؤسسات الضبط، وعلى رأسها مجلس المنافسة، مثيراً للتساؤل؛ إذ أن الاكتفاء بالتتبع أو الغرامات التي تظل محدودة مقارنة بحجم الأرباح السنوية، قد لا يكون كافياً لإحداث التوازن المطلوب.
نحن أمام وضعية تتطلب مراجعة أعمق لمنطق اشتغال السوق داخل قطاع حيوي، حيث لا يمكن فصل منطق الربح عن تأثيره على القدرة الشرائية.
إن هذه الأرقام اللافتة تعيد طرح سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق توازن فعلي بين دينامية الشركات واستقرار كلفة العيش؟ لأن الطاقة اليوم ليست مجرد سلعة، بل عنصر أساسي في حركة الاقتصاد والحياة اليومية، وأي اختلال في هذا التوازن لا يمر دون أثر على المجتمع.
