بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد المشهد الحزبي في المغرب بحاجة إلى قراءة سياسية تقليدية بقدر ما أصبح يستدعي أدوات تحليل أقرب إلى منطق التدبير والنجاعة، فالمؤشرات المتراكمة مع اقتراب استحقاقات 2026 توحي بتحول هادئ، لكنه عميق، في وظيفة الفاعل الحزبي.
تحولٌ لم يعد يقف عند حدود التأطير وصناعة النخب كما ينص عليه الدستور، بل يتجه تدريجياً نحو نمط اشتغال أقرب إلى “مقاولات انتخابية” تُقاس فعاليتها بقدرتها على حصد المقاعد أكثر من قدرتها على إنتاج المعنى السياسي.
كشفت مصادر مهنية متطابقة أن مصادقة الحكومة على مراسيم تمويل الحملات الانتخابية أعادت طرح سؤال جوهري حول كيفية توظيف الدعم العمومي داخل منظومة حزبية غير متكافئة من حيث الامتداد المجتمعي والقدرة التأطيرية.
فبالموازاة مع استفادة مختلف التنظيمات من “دعم الدولة”، تبرز ديناميات ميدانية تشير إلى صعود منطق “الجاهزية الانتخابية”، حيث يصبح الحسم في التزكيات مرتبطاً، في بعض الحالات، بقدرة المرشح على ضمان نتائج ملموسة، أكثر من ارتباطه بمساره الحزبي أو مساهمته في البناء التنظيمي.
وفي هذا السياق، يبرز تحول دلالي لافت في وظيفة التزكية الحزبية، التي لم تعد تُفهم دائماً كـ“تكليف نضالي” ينبع من مسار داخل التنظيم، بل باتت تُقرأ، في بعض الحالات، كآلية أقرب إلى “تعاقد انتخابي” غير معلن، يربط بين الحزب ومرشح قادر على تحمل أعباء الحملة الانتخابية وضمان حد أدنى من التعبئة داخل دائرته. هذا التحول يفرز وضعية جديدة، يصبح فيها المرشح أكثر استقلالاً مالياً عن حزبه، وهو ما قد ينعكس لاحقاً على طبيعة العلاقة داخل المؤسسة التمثيلية، حيث تتقدم الاعتبارات الفردية أحياناً على الانضباط الحزبي.
كما أن توظيف الدعم العمومي يطرح بدوره أسئلة موازية، خاصة في ظل تنامي الاعتماد على أدوات التواصل السياسي الحديثة، من شركات تسويق وخبراء صورة، مقابل تراجع الاستثمار في البناء الفكري والبرنامجي داخل الهياكل الحزبية.
هذا التوجه يساهم في إنتاج عرض سياسي متقارب في مضمونه، تُعاد صياغته بأساليب تواصلية مختلفة، مما يعمق الانطباع بوجود برامج متشابهة في الجوهر، ويضعف منسوب التمايز الإيديولوجي داخل المشهد.
وفي خلفية هذا النقاش، تبرز إشكالية أعمق ترتبط ببنية التعددية الحزبية نفسها، حيث يطرح استمرار حضور عدد كبير من التنظيمات ذات التأثير المحدود تساؤلات حول جدوى هذا “التعدد الكمي” في ظل غياب أقطاب سياسية قوية قادرة على تأطير النقاش العمومي.
فبعض القراءات ترى أن هذا التشظي قد يؤدي، بشكل غير مباشر، إلى إعادة توزيع الأصوات على نطاق واسع، بما يحد من بروز بدائل سياسية واضحة المعالم، ويجعل المشهد أكثر قابلية لإعادة إنتاج نفس التوازنات.
وفي هذا السياق، لم يعد الانتقال بين الأحزاب يُقرأ دائماً باعتباره تعبيراً عن تحولات فكرية أو سياسية، بل أصبح، في بعض الحالات، مرتبطاً بإعادة تموقع انتخابي تحكمه حسابات محلية دقيقة.
وهو ما يعزز صورة مشهد سياسي مرن في ظاهره، لكنه يطرح في العمق سؤال الثبات في الاختيارات والوضوح في الانتماء.
إن الإشكال لا يكمن فقط في آليات التمويل أو في عدد الأحزاب، بل في طبيعة التحول الذي تعرفه وظيفتها داخل النسق الديمقراطي. فحين تتقدم معايير “النجاعة الانتخابية” على حساب البناء التنظيمي، وحين يصبح التنافس موجهاً نحو النتائج أكثر من الأفكار، فإن العملية السياسية برمتها تكون أمام لحظة مراجعة.
وبين من يرى في هذه الدينامية تعبيراً عن تطور طبيعي لقواعد التنافس، ومن يعتبرها مؤشراً على اختلال في التوازن بين المال والسياسة، يظل السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام تعددية سياسية تعكس تنوعاً حقيقياً في الاختيارات، أم أمام تعددية وظيفية تعيد إنتاج نفس النتائج بأدوات مختلفة؟
