بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الاستثمار العمومي في قطاع البناء والأشغال العمومية مجرد خيار تقني مرتبط بتوسيع البنيات التحتية، بل أضحى رهاناً استراتيجياً يختبر قدرة النموذج التنموي المغربي على تحقيق توازن فعلي بين النجاعة الاقتصادية وتعزيز العدالة المجالية.
وفي هذا السياق، يأتي الإعلان عن برنامج توقعي لصفقات القطاع برسم سنة 2026 بغلاف مالي يناهز 73 مليار درهم، ليعيد طرح سؤال محوري: هل نحن أمام دينامية تنموية مندمجة تخدم المواطن، أم أمام تسريع ملحوظ لإيقاع الأوراش في سياق تفرضه رهانات متعددة، دون وضوح كافٍ بشأن الأثر الترابي المتوازن؟
إن هذا الغلاف المالي، الذي يتوزع بين الماء (18 مليار درهم) والطرق (21.8 مليار درهم) والموانئ والتجهيزات العامة، يعكس استمرار الرهان على البنية التحتية كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني.
غير أن أهميته الاستثمارية تفتح أيضاً نقاشاً مشروعاً حول طبيعة تمويله؛ إذ يطرح التساؤل حول التوازن بين الاعتماد على الموارد الذاتية وتعزيز خلق الثروة، وبين اللجوء إلى آليات التمويل عبر الاقتراض.
وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية كلفة الدين مقابل العائد التنموي، ومدى قدرة هذه الاستثمارات على توليد قيمة مضافة مستدامة تبرر كلفتها المالية على المدى المتوسط والبعيد.
ورغم أهمية هذا التوجه، فإن التجارب السابقة أظهرت أن الاستثمار في البنيات التحتية، رغم ضرورته، لا يؤدي دائماً بشكل تلقائي إلى تقليص الفوارق المجالية، خاصة في ظل استمرار تركز المشاريع في بعض المحاور الاقتصادية.
وهو ما يطرح تحدياً حقيقياً أمام شعار “التنمية الترابية المندمجة والصامدة”، الذي يتجاوز مجرد التوزيع الجغرافي للاستثمارات ليشمل خلق ديناميات اقتصادية محلية قادرة على تحقيق الاندماج وتقليص الفوارق.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذه الدينامية الاستثمارية عن السياق الوطني والدولي الذي يشهد استعدادات لاحتضان تظاهرات كبرى، وهو ما يفرض تسريع وتيرة إنجاز عدد من المشاريع المرتبطة بالبنيات التحتية والنقل.
غير أن هذا التسارع يثير تساؤلاً مشروعاً حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات هذه الاستحقاقات، وحاجيات المواطن اليومية، خاصة في ما يتعلق بالخدمات الأساسية وظروف العيش.
كما أن حصيلة سنة 2025، التي عرفت إطلاق عدد مهم من الصفقات العمومية في مجالات السكك الحديدية والمطارات واللوجستيك، تعكس انتقالاً نحو منطق تسريع الأوراش.
غير أن هذا التوجه يظل رهيناً بمدى مواكبته بحكامة فعالة، تقوم على الشفافية، وتكافؤ الفرص، وتتبع الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع المنجزة.
وفي هذا الإطار، يبرز تساؤل موازٍ حول موقع المقاولة الوطنية، خاصة الصغرى والمتوسطة، ضمن هذه الدينامية الاستثمارية.
فمدى قدرة الإطار التنظيمي للصفقات العمومية على ضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز مشاركة النسيج المقاولاتي المحلي، يظل عنصراً حاسماً في تحويل هذه الاستثمارات إلى رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني.
كما يفرض الحديث عن “تنمية صامدة” استحضار البعد الرقمي والبيئي، من خلال إدماج حلول مبتكرة في تدبير البنيات التحتية، بما يعزز نجاعتها واستدامتها، ويتجاوز منطق الإنجاز الكمي نحو جودة الأداء على المدى الطويل.
إن هذا التسارع يضع منظومة الحكامة أمام اختبار دقيق؛ فحجم الاستثمارات، مهما بلغ، يظل مرتبطاً بمدى نجاعة آليات التدبير والرقابة، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الصفقات.
كما أن غياب مؤشرات دقيقة لتقييم الأثر الاجتماعي قد يحد من القدرة على قياس العائد الحقيقي لهذه الدينامية الاستثمارية، بين ما تعكسه الأرقام الرسمية، وما يلمسه المواطن في واقعه اليومي.
إن 73 مليار درهم لا تمثل مجرد اعتمادات مالية، بل تعكس اختباراً حقيقياً لقدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة المجالية.
فإما أن تتحول إلى جسور فعلية تعزز الاندماج وتدعم الكرامة، أو تظل رهينة منطق الإنجاز الشكلي، في سياق تزداد فيه انتظارات المواطنين من أثر ملموس ومستدام.
