عاد ملف اللحوم الحمراء المستوردة من البرازيل إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، ليس من باب إطلاق الأحكام الجاهزة أو زرع القلق وسط المستهلكين، بل من زاوية أكثر دقة وحساسية: هل تملك منظومة المراقبة الغذائية ما يكفي من الشفافية لتبديد الأسئلة حين يتعلق الأمر بمنتج واسع الاستهلاك يمس صحة المواطنين مباشرة؟
السؤال لم يعد تقنياً فقط.
فحين يتعلق الأمر باللحوم، تصبح الثقة جزءاً من السلسلة الغذائية، تماماً كما تصبح المراقبة والتحاليل والتتبع عناصر لا تقل أهمية عن السعر والعرض والتموين.
في هذا السياق، وجّهت النائبة البرلمانية سلوى البردعي، عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، سؤالاً كتابياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، حول شروط مراقبة سلامة اللحوم الحمراء المستوردة من البرازيل، ومدى احترامها للمعايير الصحية الوطنية قبل وصولها إلى السوق المغربية.
وتأتي هذه المساءلة البرلمانية في ظل معطيات أوروبية أثارت نقاشاً حول واردات من اللحوم والمنتجات الحيوانية القادمة من البرازيل، بسبب مخاوف مرتبطة باستعمال بعض المضادات الحيوية والمواد المضادة للميكروبات في تربية المواشي، وما يمكن أن يطرحه ذلك من أسئلة حول بقايا هذه المواد داخل المنتجات الحيوانية.
غير أن أهمية النقاش المغربي لا تكمن في استنساخ القلق الأوروبي، ولا في افتراض وجود خطر مباشر داخل السوق الوطنية، بل في طرح السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه كلما تغيرت مصادر الاستيراد: ما هي الضمانات؟
لقد لجأ المغرب، خلال الفترة الأخيرة، إلى تنويع مصادر استيراد اللحوم الحمراء في محاولة لدعم العرض وتخفيف الضغط على الأسعار، في سياق عرف ارتفاعاً لافتاً في أسعار اللحوم، وأثقل ميزانية عدد من الأسر المغربية.
وهذا التوجه قد يكون مفهوماً من زاوية التوازن بين العرض والطلب، لكنه لا يعفي الجهات المختصة من تقديم أجوبة واضحة حول شروط السلامة، ونوعية التحاليل، وآليات التتبع، والمعايير المعتمدة قبل الترخيص بدخول هذه المنتجات إلى السوق الوطنية.
وحسب ما أوردته Le360 بتاريخ 28 ماي 2026، فقد طالبت البردعي بتوضيحات حول الإجراءات التي تعتمدها المصالح المختصة لمراقبة جودة وسلامة اللحوم المستوردة، ومدى إخضاعها لتحاليل تكشف عن بقايا المضادات الحيوية أو المواد المحظورة، إضافة إلى التدابير الاحترازية الممكنة في ضوء الجدل الأوروبي المرتبط بهذا الملف.
هنا يصبح المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية في قلب النقاش، باعتباره المؤسسة المعنية بمراقبة المنتجات الغذائية، بما فيها المنتجات ذات الأصل الحيواني، من حيث الوثائق الصحية، وشروط الاستيراد، والتحاليل المخبرية، ومدى مطابقة المنتجات للمعايير المعتمدة قبل تسويقها داخل المغرب.
لكن وجود مؤسسة مختصة لا يكفي وحده لطمأنة الرأي العام إذا غابت المعلومة المفصلة.
فالمستهلك لا يطلب فقط أن يقال له إن المراقبة موجودة، بل يريد أن يعرف كيف تتم هذه المراقبة، ومتى تتم، وعلى أي عينات، وبأي معايير، وما هي الإجراءات المتخذة في حال ظهور اختلال أو عدم مطابقة.
الملف يضع الحكومة أمام اختبار تواصلي واضح.
ففي زمن تنتقل فيه الأخبار الصحية والغذائية بسرعة كبيرة، لم تعد البلاغات العامة كافية دائماً لبناء الثقة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمواد تدخل البيوت المغربية يومياً، وترتبط مباشرة بالغذاء والصحة والقدرة الشرائية.
كما أن التمييز ضروري بين قرار أو نقاش أوروبي مرتبط بمعايير ولوج السوق الأوروبية، وبين الوضع داخل السوق المغربية الذي يفترض أن يخضع لمعايير وطنية ومساطر مراقبة خاصة.
غير أن هذا التمييز لا يجب أن يتحول إلى ذريعة للصمت، بل إلى مناسبة لشرح الفوارق، وتوضيح ما إذا كانت المواد التي أثارت الجدل في أوروبا تدخل أصلاً في نطاق الواردات الموجهة إلى المغرب، وما إذا كانت التحاليل الوطنية ترصد نفس المخاطر المحتملة.
القضية، في عمقها، تتجاوز شحنة لحوم أو مصدر استيراد بعينه.
إنها تمس سؤال السيادة الغذائية حين تصبح مرتبطة بالسوق الدولية، وسؤال حماية المستهلك حين تتداخل اعتبارات السعر مع شروط السلامة، وسؤال الثقة حين تطلب الدولة من المواطن أن يطمئن دون أن تضع أمامه ما يكفي من المعطيات.
لا أحد يربح من التهويل.
لكن لا أحد يربح أيضاً من الغموض.
فإذا كانت اللحوم المستوردة تخضع فعلاً لمراقبة دقيقة وتحاليل منتظمة، فإن الإعلان عن ذلك بوضوح سيقوي ثقة المستهلك ويغلق الباب أمام التأويلات.
وإذا كانت هناك حاجة إلى تشديد المساطر أو تحيين البروتوكولات الصحية في ضوء المستجدات الدولية، فإن الاعتراف بذلك سيكون علامة قوة مؤسساتية لا علامة ضعف.
المطلوب اليوم ليس صناعة خوف غذائي جديد، بل صناعة ثقة مبنية على المعلومة.
فحين يتعلق الأمر بما يوضع على موائد المغاربة، لا تكفي الطمأنة العامة.
تحتاج البلاد إلى شفافية دقيقة، ومراقبة موثقة، وجواب رسمي يشرح للبرلمان والرأي العام أين تنتهي المخاوف، وأين تبدأ الضمانات.
