صادق مجلس النواب، خلال جلسة تشريعية عقدت اليوم الاثنين، بالأغلبية، على مشروع القانون التنظيمي رقم 06.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، وذلك تطبيقاً لأحكام الفصلين 49 و92 من الدستور.
وقد حظي المشروع بموافقة 65 نائباً برلمانياً، مقابل معارضة 30 نائباً، في تصويت يمنح النص دلالة تتجاوز طابعه التقني، بالنظر إلى ارتباطه بواحد من أكثر الملفات حساسية داخل بنية الدولة: التعيين في المناصب العليا، وترتيب العلاقة بين المؤسسات، وتحديد الجهات المختصة بالتداول في أسماء المسؤولين عن مؤسسات ومواقع ذات طابع استراتيجي.
ويأتي المشروع في إطار مواصلة ملاءمة المنظومة القانونية والتنظيمية المؤطرة للتعيين في المناصب العليا مع التحولات المؤسساتية والإدارية التي تعرفها المملكة، من خلال تحيين لوائح المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية، والمناصب العليا التي يتم التداول بشأنها داخل مجلس الحكومة.
غير أن أهمية النص لا تقف عند حدود التحيين القانوني أو الإداري، بل تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بطريقة تدبير مفاتيح القرار داخل الإدارة العمومية والمؤسسات الاستراتيجية.
فكل تعديل في لائحة المناصب العليا لا يعني فقط إضافة مؤسسة أو منصب، بل يعيد فتح النقاش حول معايير الاختيار، وضمانات الكفاءة، وحدود الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وبحسب المعطيات المقدمة أمام البرلمان، يهدف مشروع القانون التنظيمي إلى تعزيز انسجام الإطار القانوني المنظم للتعيينات العليا مع المستجدات التشريعية والمؤسساتية، بما يضمن وضوح الاختصاصات وتحديث آليات الحكامة داخل المؤسسات المعنية.
ومن أبرز المستجدات التي يتضمنها المشروع إدراج الوكالة الوطنية لحماية الطفولة ضمن لائحة المؤسسات العمومية الاستراتيجية التي يتم التداول بشأن تعيين المسؤولين عنها في المجلس الوزاري.
ويعكس هذا الإجراء المكانة المتزايدة التي تحظى بها قضايا الطفولة ضمن السياسات العمومية، بالنظر إلى ارتباطها بحماية حقوق الأطفال وتعزيز آليات الرعاية والحماية الاجتماعية.
لكن إدراج وكالة حماية الطفولة ضمن المؤسسات الاستراتيجية يطرح، في المقابل، سؤالاً عملياً لا يقل أهمية عن التصنيف القانوني: هل يكفي رفع موقع المؤسسة داخل هرم التعيينات لضمان فعالية أدائها، أم إن الرهان الحقيقي يبدأ بعد التعيين، حين تصبح المسؤولية مرتبطة بالنتائج وبقدرة المؤسسة على حماية الأطفال داخل الواقع، لا داخل النصوص فقط؟
كما يشمل المشروع تحيين تسمية المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لقضاة وموظفي العدل، لتصبح “المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لموظفي العدل”، وذلك انسجاماً مع المقتضيات القانونية والتنظيمية الجديدة المؤطرة لاختصاصاتها ومجال تدخلها.
ويتضمن النص كذلك إضافة منصب المحافظين القضائيين العامين، المحدث بموجب النظام الأساسي لموظفي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إلى لائحة المناصب العليا بالإدارات العمومية التي يتم التداول بشأن التعيين فيها داخل مجلس الحكومة، في خطوة تروم ملاءمة النص التنظيمي مع التطورات التي شهدتها البنية الإدارية للمؤسسات القضائية.
ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، بالنظر إلى ارتباطه ببنية إدارية قريبة من المجال القضائي، حيث لا يكون النقاش محصوراً في الإضافة التقنية للمنصب، بل يمتد إلى حساسية المواقع التي توجد في تماس مع منظومة العدالة، وما تستدعيه من وضوح في المعايير، ودقة في الاختيار، واحترام للتوازنات المؤسساتية.
ويظل القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا واحداً من النصوص المركزية داخل المنظومة الدستورية والمؤسساتية، باعتباره يحدد الجهات المختصة بالتداول بشأن التعيينات في عدد من المؤسسات والمناصب العليا، ويميز بين ما يمر عبر المجلس الوزاري وما يتم التداول فيه داخل مجلس الحكومة.
ولهذا، فإن مشروع القانون التنظيمي رقم 06.26 لا يمكن قراءته فقط باعتباره نصاً لتحيين اللوائح، بل باعتباره محطة جديدة داخل مسار ترتيب التعيينات العليا وفق التحولات التي تعرفها بنية الدولة ومؤسساتها.
فالمناصب العليا ليست مجرد مواقع إدارية، بل مداخل أساسية لفهم كيفية تدبير القرار العمومي، ومن يتحمل مسؤولية قيادة المؤسسات التي يفترض أن تنتج الأثر في حياة المواطنين.
وباعتماد هذا المشروع، يواصل المشرع تحيين الآليات القانونية المؤطرة للحكامة الإدارية والمؤسساتية.
غير أن التصويت على النص لا يغلق النقاش، بل يفتحه من زاوية أوسع: فالتعيين في المناصب العليا ليس مجرد مسطرة قانونية، بل جزء من هندسة السلطة داخل الإدارة.
وكلما اتسعت لوائح المؤسسات والمناصب، زادت الحاجة إلى جواب واضح حول معايير الاختيار، وحدود المسؤولية، وطريقة محاسبة من يتولى هذه المواقع الحساسة.
