بقلم: الباز عبدالإله
أعاد تقرير مؤشر جودة النخب لسنة 2026، المعروف اختصاراً بـ EQx 2026، والصادر عن مؤسسة Foundation for Value Creation في إطار عمل أكاديمي مرتبط بجامعة سانت غالن السويسرية، فتح نقاش بنيوي دقيق حول علاقة النخب السياسية والاقتصادية بخلق القيمة داخل الدول.
التقرير نقل النقاش من السجال السياسي التقليدي إلى قراءة وظيفية صارمة، تضع النموذج التنموي أمام سؤال الأثر لا الخطاب، وتقيس قدرة النخب على تحويل النفوذ والقرار إلى قيمة مستدامة لفائدة المجتمع، بدل الاكتفاء بقياس حجم السلطة أو القرب من مراكز التأثير.
وبينما تركز الخطابات الرسمية عادة على الأرقام العامة ومؤشرات النمو الكلي، يطرح هذا التقرير الأكاديمي سؤالاً أعمق يرتبط بطريقة توزيع الثروة والفرص والنفوذ داخل الاقتصاد، وبمدى قدرة النمو على الوصول إلى الفئات الواسعة، لا أن يبقى محصوراً في دوائر محدودة من الامتياز والقرب من القرار.
تميز التقرير بامتناعه عن إصدار أحكام أخلاقية أو سياسية مباشرة، معتمداً على 148 مؤشراً فرعياً لقياس الأثر العملي للنخب في 151 دولة.
وتقوم فلسفة المؤشر على تمييز حاسم بين نموذجين: نخب خلق القيمة، وهي النخب ذات الجودة العالية التي تستثمر نفوذها وقربها من القرار لتوسيع الإنتاج، وتحفيز المنافسة، وخلق فرص الشغل، وتكبير “الكعكة الوطنية” لفائدة المجتمع، ونخب استخراج القيمة، التي تميل إلى تحويل السلطة والنفوذ إلى أدوات لحماية الامتيازات الخاصة، وتضييق المنافسة، وإنتاج أشكال من الريع المنظم الذي ينقل جزءاً من القيمة نحو دوائر نفوذ ضيقة.
وفي هذا السياق، جاء المغرب في المرتبة 92 عالمياً من أصل 151 دولة شملها مؤشر جودة النخب لسنة 2026، وهو ترتيب لا يمكن قراءته كإدانة سياسية مباشرة، بل كجرس إنذار يكشف الحاجة إلى مساءلة العلاقة بين الأداء الهيكلي للدولة والأثر الاجتماعي الملموس للنمو.
فالمملكة تمتلك اليوم نخباً قوية في مراكز القرار، ومؤسسات قادرة على هندسة سياسات عمومية كبرى وجذب استثمارات دولية مهمة، خاصة في البنيات التحتية، والطاقات المتجددة، والمشاريع المرتبطة بالرهانات الرياضية والاقتصادية الكبرى.
غير أن السؤال الذي يطرحه التقرير هو: هل يتحول هذا النفوذ وهذه المشاريع إلى قيمة اجتماعية واقتصادية واسعة، أم أن جزءاً من عائد النمو يظل عالقاً داخل دوائر الامتياز وضعف المنافسة وصعوبة الولوج العادل إلى الفرص؟
في ظل استمرار مؤشرات البطالة وضغط القدرة الشرائية على فئات واسعة، يصبح السؤال مشروعاً حول مدى قدرة النمو على الوصول إلى المواطن والمقاولة الصغيرة والمتوسطة.
فالنمو الذي لا يفتح السوق أمام الفاعلين الجدد، ولا يوسع الطبقة الوسطى، ولا يحسن شروط الصعود الاجتماعي، يبقى نمواً ناقصاً مهما بدا قوياً في الجداول والمؤشرات العامة.
ويلامس التقرير، بلغة القياس والبيانات، إحدى أكثر المناطق حساسية في الاقتصاد السياسي المغربي، وهي العلاقة بين السلطة الاقتصادية والقرار العمومي.
فكلما اقتربت المصالح الخاصة من صناعة القواعد والسياسات، زاد خطر أن تتحول بعض الاختيارات العمومية إلى أدوات تخدم فئات محددة، بدل أن تكون آلية لتوسيع العدالة الاقتصادية وحماية المنافسة وتكافؤ الفرص.
هذا التداخل قد يقود إلى ثلاثة منزلقات أساسية: تراجع معيار الكفاءة أمام منطق العلاقات والقرب، وتعقيد أدوار مؤسسات الحكامة، وفي مقدمتها مجلس المنافسة، في مواجهة الممارسات الاحتكارية وشبه الاحتكارية، ثم إضعاف الأمل في الصعود الاجتماعي، بما يدفع الطاقات الشابة والمبتكرين إما إلى الانكفاء أو البحث عن فرص خارج البلاد.
إن القيمة الحقيقية لتقرير جودة النخب تتجلى في وضعه السياسات الإصلاحية أمام امتحان النتائج لا بلاغات النوايا. فالدول لا تُقاس فقط بما تعلنه من قوانين للاستثمار، ولا بما تعرضه من مشاريع كبرى، بل بما يلمسه المستثمر الصغير، والشاب الطموح، والمقاولة الناشئة، من عدالة وشفافية وتكافؤ فرص على أرض الواقع.
والمغرب اليوم أمام تحدي نقل النقاش من المنطق الكمي المرتبط بحجم الاستثمارات ونسب النمو، إلى المنطق الكيفي: من يستفيد فعلياً من هذه الثروة؟ وهل تخلق السياسات العمومية قيمة عامة، أم تظل بعض آثارها محصورة في نطاق ضيق من الفاعلين القادرين على الوصول إلى السوق والتمويل والصفقات؟
إن الاستمرار في نموذج اقتصادي مركزي ومحمي قد يضمن أرقاماً جيدة في بعض الجداول، لكنه لا يصنع بالضرورة تنمية مستدامة ولا ثقة اجتماعية واسعة.
فالدولة التي تتطلع إلى المستقبل لا تحتاج فقط إلى مشاريع كبرى، بل تحتاج أيضاً إلى قواعد تمنع تحويل النفوذ إلى ريع دائم، وإلى سوق مفتوحة لا يكون فيها القرب من القرار أقوى من الكفاءة.
بهذا المعنى، لا يحرج التقرير المغرب لأنه يضعه في مرتبة معينة فقط، بل لأنه يعيد طرح السؤال الذي يسبق كل إصلاح: هل المشكلة في ضعف الموارد، أم في طريقة توزيع الفرص؟ وهل نملك نخباً تصنع المستقبل، أم نخباً تعرف جيداً كيف تحافظ على حصتها من الحاضر؟
