بقلم: الباز عبدالإله
دخل الصراع بين المغرب وإسبانيا على احتضان نهائي كأس العالم 2030 مرحلة أكثر حدة، بعدما انتقلت مدريد من الترويج لقدراتها التنظيمية وملاعبها الكبرى إلى استثمار الأحداث التي رافقت نهائي كأس إفريقيا بالمغرب، في محاولة لتقوية موقعها داخل معركة لم تحسمها «فيفا» بعد.
وكشف تقرير نشرته وكالة «رويترز»، اليوم السبت 18 يوليوز 2026، أن تحديد ملعب نهائي مونديال 2030 قد يتحول إلى مواجهة دبلوماسية وسياسية مكثفة بين المغرب وإسبانيا، في ظل تحركات متوازية داخل ممرات القرار الكروي الدولي.
المغرب وإسبانيا والبرتغال سيستضيفون البطولة بصورة مشتركة، غير أن الاتحاد الدولي لكرة القدم لم يعلن إلى اليوم المدينة أو الملعب الذي سيحتضن المباراة النهائية، ما أبقى الباب مفتوحاً أمام صراع نفوذ بين الدار البيضاء ومدريد وبرشلونة.
وتدفع المملكة بملعب الحسن الثاني الجاري تشييده بضواحي الدار البيضاء، بطاقة استيعابية مرتقبة تبلغ 115 ألف متفرج، في مواجهة ملعب سانتياغو برنابيو في مدريد، الذي يتسع لنحو 83 ألفاً، وملعب كامب نو في برشلونة، الذي يُنتظر أن تصل طاقته بعد استكمال الأشغال إلى نحو 105 آلاف مقعد.
غير أن إسبانيا لم تكتف بعرض ملاعبها وخبرتها التنظيمية، بل اختارت توظيف أحداث نهائي كأس إفريقيا الأخير ضد الطموح المغربي.
ويعيد تقرير «رويترز» إلى الواجهة تصريحات أدلى بها رئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم، رافاييل لوزان، في يناير الماضي، حين أكد أن إسبانيا ستقود تنظيم مونديال 2030 وأن المباراة النهائية ستقام فوق أراضيها.
لوزان استند إلى ما وصفه بالقدرة التنظيمية التي راكمتها بلاده، قبل أن ينتقل مباشرة إلى الحديث عن المغرب، معتبراً أن بعض المشاهد التي عرفتها مباريات كأس إفريقيا لم تضر بصورة البطولة القارية فقط، بل أضرت أيضاً بصورة كرة القدم العالمية.
الرسالة الإسبانية تبدو واضحة: مدريد تحاول تحويل الاضطرابات التي رافقت نهائي المغرب والسنغال، بما فيها الاحتجاجات وتوقف اللعب والأحداث التي شهدتها المدرجات ومحيط أرضية الملعب، إلى حجة سياسية وتنظيمية ضد احتضان الدار البيضاء للمباراة النهائية.
ولا يتعلق الأمر هنا بتقييم تقني محايد لبطولة كاملة، بقدر ما يدخل، وفق توصيف «رويترز»، ضمن أولى جولات حملة ضغط مكثفة يُتوقع أن تشتد كلما اقترب موعد الحسم.
فإسبانيا لا تنافس المغرب على مباراة عادية، بل على الواجهة الأهم في أكبر تظاهرة رياضية عالمية؛ مباراة تمنح المدينة المستضيفة حضوراً إعلامياً استثنائياً، وعائدات اقتصادية وسياحية، وقيمة رمزية تتجاوز تسعين دقيقة من كرة القدم.
غير أن استعمال نهائي كأس إفريقيا لضرب الملف المغربي يصطدم بمعطيات أخرى نشرتها الوكالة نفسها عقب انتهاء المسابقة.
ففي تقرير بتاريخ 19 يناير 2026، اعتبرت «رويترز» أن المغرب نجح في تنظيم كأس إفريقيا، وأن جودة الملاعب وسهولة التنقل وتوفر البنية السياحية بددت الشكوك بشأن قدرته على المشاركة في استضافة مونديال 2030، رغم الأحداث التي طبعت المباراة النهائية وهزيمة المنتخب المغربي أمام السنغال.
وبذلك، تبدو مدريد وكأنها تنتقي من تجربة كأس إفريقيا اللحظة التي تخدم موقفها، وتتجاوز التقييم العام للبطولة وللبنيات التي وضعتها المملكة رهن إشارتها.
المغرب، من جهته، يراهن على مشروع ملعب الحسن الثاني باعتباره ورقته الأثقل في السباق.
فالمشروع لا يقوم فقط على بناء أكبر ملعب مخصص لكرة القدم في العالم، بل يشمل أيضاً ربطه بشبكات الطرق والسكك الحديدية، وتحويل المنطقة المحيطة به إلى فضاء قادر على استقبال عشرات الآلاف من الجماهير.
وكان مسؤول مشرف على المشروع قد كشف في ماي الماضي أن نسبة تقدم الأشغال بلغت نحو 30 في المائة، وأن الهدف هو استكمال الملعب في نهاية سنة 2027، فيما قُدرت كلفة الملعب ومرافقه المرتبطة به بنحو مليار دولار.
ورغم قوة الورقة العمرانية المغربية، فإن ملعباً يتسع لـ115 ألف متفرج لا يكفي وحده لانتزاع النهائي.
قرار بهذا الحجم تحكمه اعتبارات الأمن والنقل والإقامة والعائدات التجارية، لكنه يرتبط أيضاً بقدرة كل طرف على بناء التحالفات والتأثير داخل «فيفا»، وتسويق صورته بوصفه الطرف الأقدر على قيادة الحدث.
وفي هذا السياق، نقلت «رويترز» عن مصادر داخل هرم كرة القدم الإفريقية أن المغرب يقود تحركاً كبيراً خلف الكواليس من أجل إسناد النهائي إلى الدار البيضاء، وأن المنافسة مرشحة للاشتداد بين الأطراف المعنية.
أما فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فاختار التمسك بالموقف المؤسساتي، مؤكداً أن أي قرار لم يُتخذ بعد بشأن توزيع المباريات، وأن الاختيارات ستتم حصراً عبر التشاور بين المغرب وإسبانيا والبرتغال والاتحاد الدولي لكرة القدم.
هذا التحفظ المغربي يقابله إصرار إسباني علني على تقديم النهائي باعتباره حقاً شبه محسوم لمدريد، رغم أن القرار النهائي لا يعود إلى الاتحاد الإسباني وحده.
المعركة، إذن، لم تعد بين ثلاثة ملاعب فقط، بل بين روايتين.
إسبانيا تقدم نفسها باعتبارها صاحبة التجربة التاريخية والبنيات الجاهزة، وتحاول إظهار المغرب كبلد لا تزال بعض مظاهر التنظيم والانضباط الجماهيري تطرح أمامه تحديات.
أما المغرب، فيقدم مشروعاً يقوم على أكبر ملعب في العالم، واستثمارات واسعة في النقل والمطارات والبنية السياحية، وعلى طموح لإعادة المباراة النهائية إلى القارة الإفريقية للمرة الثانية بعد نهائي جوهانسبورغ سنة 2010.
وبين البرنابيو وكامب نو وملعب الحسن الثاني، لن يُحسم نهائي 2030 بالإسمنت وعدد المقاعد وحدهما.
الحسم سيمر أيضاً عبر الدبلوماسية الرياضية، وإدارة الصورة، والقدرة على تحويل النجاحات التنظيمية إلى نفوذ داخل مؤسسات كرة القدم العالمية.
وإذا كانت إسبانيا قد أشهرت ورقة «فوضى نهائي الكان»، فإن التحدي أمام المغرب هو منع اختزال بطولة كاملة في مشاهد محدودة، وتحويل النجاح العام للمسابقة إلى حجة أقوى من الرواية التي تحاول مدريد تثبيتها داخل ممرات «فيفا».
