بقلم: الباز عبدالإله
كشفت معطيات جديدة من داخل دوائر السلطة التنفيذية الإسبانية أن القلق الذي أحدثه التقرير الشرطي حول أحداث سبتة تجاوز، خلال الساعات الأولى لتسريبه، حدود الأزمة الدبلوماسية المعتادة مع المغرب، ووصل داخل مدريد إلى تقدير سيناريوهات شديدة الخطورة، من بينها اللجوء إلى حلف شمال الأطلسي في حال ظهور أدلة صلبة تثبت تورطاً مباشراً للحكومة المغربية في تنظيم أو التخطيط لعملية العبور الجماعي نحو المدينة.
وأفادت صحيفة «elDiario»، مساء السبت 5 شتنبر 2026، نقلاً عن مصادر قريبة من الحكومة الإسبانية، بأن حالة من القلق سادت داخل الجهاز التنفيذي بعد تداول معلومات أولية عن تقرير أعده مركز الشرطة الوطني للهجرة والحدود «CENIF» وأُحيل إلى القضاء، بعدما بدا في الساعات الأولى أن الوثيقة قد تحمل معطيات أكثر حساسية مما ظهر لاحقاً.
وبحسب المصدر الإسباني، لم يكن الخوف الأساسي داخل الحكومة يتعلق فقط بإمكانية تدهور العلاقات بين مدريد والرباط، بل بما يمكن أن يترتب سياسياً وأمنياً إذا تضمن الملف دليلاً مباشراً، مثل رسالة أو اتصال هاتفي أو أي عنصر يربط عضواً في الحكومة المغربية بتنظيم أو تخطيط دخول عشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة يوم 30 يوليوز.
ونقلت الصحيفة عن مصدر قريب من السلطة التنفيذية أن العثور على دليل من هذا المستوى كان سيغير السياسة الخارجية الإسبانية تجاه المغرب لسنوات، معتبراً أن تداعياته كانت ستضع البلدين أمام مستوى من المواجهة يتجاوز بكثير أزمة الهجرة أو الخلاف الدبلوماسي.
وتكشف الكواليس حجم الحساسية التي رافقت الساعات التي سبقت معرفة مضمون التقرير كاملاً، إذ حاول رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ووزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا ومسؤولون آخرون الوقوف على حقيقة ما تتضمنه الوثيقة، وسط مخاوف من أن تكون المعلومات المتداولة أولاً أكثر خطورة من مضمون التقرير الفعلي.
غير أن الوثيقة، وفق ما أوردته الصحيفة بعد الاطلاع على تفاصيلها، لم تتضمن إثباتاً على مشاركة مباشرة للحكومة المغربية في الأحداث، وإنما تحدثت عن احتمال وجود تواطؤ من جانب عناصر في الدرك المغربي، وهو فارق اعتبرته مصادر الحكومة الإسبانية أساسياً في تحديد المسؤولية السياسية.
وشددت المصادر نفسها على أن إثبات مشاركة عدد من العناصر الأمنية، حتى في حال تأكيده عبر مصادر مفتوحة، لا يعني تلقائياً أن الحكومة المغربية هي التي أصدرت أمراً أو خططت أو دفعت إلى عملية العبور، وهو ما يفسر الحذر الذي التزمه سانشيز في تحميل الرباط مسؤولية رسمية مباشرة.
وتبرز أخطر المعطيات التي كشفتها الصحيفة في تصريح لمسؤول اشتراكي تحدث عن السيناريو الذي كانت مدريد ستواجهه لو توفرت أدلة قاطعة على مسؤولية رسمية مغربية، إذ أكد أن الحكومة الإسبانية كانت ستجد نفسها أمام ضرورة التوجه مباشرة إلى حلف شمال الأطلسي، في ظل ما وصفه بخطر شبه حتمي لنزاع مسلح.
ولا يعني هذا التصريح أن الحكومة الإسبانية قررت فعلياً تفعيل أي آلية داخل الناتو، ولا أن مواجهة عسكرية كانت مقررة، وإنما يكشف مستوى الخطورة الذي كانت بعض دوائر السلطة في مدريد ستنسبه إلى القضية لو انتقل الملف من مؤشرات مرتبطة بعناصر أمنية إلى دليل يثبت قراراً أو تخطيطاً صادراً عن الحكومة المغربية نفسها.
وتفسر هذه الكواليس، في جزء منها، إصرار بيدرو سانشيز خلال مثوله أمام البرلمان على عدم توجيه اتهام رسمي إلى المغرب دون أدلة، رغم تعرضه لانتقادات حادة من المعارضة، حيث ترى مصادر قريبة منه أن رئيس الحكومة لا يستطيع اتهام دولة أجنبية بوقائع بهذا الحجم اعتماداً على استنتاجات غير مدعمة بإثبات مباشر.
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن حكومة سانشيز تميز بين الصور والمشاهد التي أظهرت ما وصف في إسبانيا بـ«تساهل» بعض القوات المغربية خلال عملية العبور، وبين إثبات وجود قرار صادر عن السلطات السياسية المغربية لتنظيم العملية، وهي النقطة التي لم يثبتها التقرير حتى الآن.
وتضيف المعطيات أن مدريد تستند أيضاً إلى التعاون الذي قدمه المغرب لاحقاً لإعادة نسبة كبيرة ممن دخلوا إلى سبتة، حيث أفادت مصادر حكومية إسبانية بأن نحو 90 في المائة ممن عبروا يوم 30 يوليوز عادوا في اليوم التالي بعد اتصالات بين الحكومتين.
وتعيد هذه التفاصيل أزمة سبتة إلى مستوى أكثر حساسية من السجال السياسي الجاري في البرلمان الإسباني، لأنها تكشف للمرة الأولى تقريباً حجم السيناريو الذي كان المسؤولون في مدريد يخشون الوصول إليه خلال الساعات التي سبقت معرفة مضمون التقرير كاملاً.
المفارقة أن أخطر ما تكشفه الكواليس الجديدة ليس وجود دليل ضد الحكومة المغربية، بل تحديداً حجم ما كان سيتغير لو ظهر ذلك الدليل. فبين الاشتباه في سلوك عناصر أمنية وإثبات قرار صادر عن حكومة دولة مجاورة توجد، في حسابات مدريد نفسها، مسافة كانت قادرة على نقل الملف من أزمة حدودية وسياسية إلى سؤال يتعلق بالأمن القومي والعلاقات مع حلف شمال الأطلسي.
وبذلك يبقى الملف مفتوحاً أمام التحقيق القضائي الإسباني، فيما تظل الخلاصة الأساسية حتى الآن أن المعطيات المتاحة لا تثبت مشاركة مباشرة للحكومة المغربية، في مقابل استمرار التحقيق في طبيعة ما وقع على الحدود والمسؤوليات المحتملة المرتبطة به.
