بقلم: عبد الصمد الكبير
ليست الحرية أن يُفتح باب السجن فقط، بل أن تُفتح بعده أبواب العمل والعلاج والسكن والعيش الطبيعي. أما أن يغادر الإنسان زنزانته ليجد أن ماضيه يلاحقه في كل وظيفة وحي وإدارة وعلاقة اجتماعية، فمعنى ذلك أن العقوبة انتهت قانوناً، لكنها استمرت في الواقع بلا أجل محدد.
هذه هي المعضلة التي تعيد وثيقة قدماء المعتقلين الإسلاميين وضعها أمام الدولة والأحزاب والمؤسسات الحقوقية، بعد أكثر من عقدين على أحداث 16 ماي 2003 وما أعقبها من اعتقالات ومحاكمات وأحكام سجنية، استوفى عدد من المعنيين بها العقوبات المحكوم بها أو استفادوا من العفو، بينما ظلت آثارها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية ممتدة بالنسبة إلى بعضهم.
قوة الوثيقة أنها لا تطلب محو الماضي، ولا إلغاء أحكام القضاء بأثر رجعي، ولا فرض رواية سياسية موحدة لما جرى. إنها تنقل النقاش من سؤال المسؤولية عما حدث قبل أكثر من عشرين سنة إلى سؤال أكثر راهنية: ماذا تفعل المؤسسات تجاه مواطن انتهت العقوبة في حقه قانوناً، لكنه ظل بعد خروجه يدفع أثماناً اجتماعية واقتصادية ونفسية لم يتضمنها أي حكم؟
فالحديث لم يعد عن معتقل يوجد خلف القضبان، بل عن مواطن خارج السجن، أنهى عقوبته أو استفاد من عفو، ومع ذلك قد يجد نفسه عاجزاً عن استعادة مساره المهني، أو علاج آثار صحية ونفسية، أو ترميم وضعه الأسري، أو تأمين سكن قار، أو التخلص من وصف يسبقه إلى كل مكان: «معتقل سابق في قضية إرهاب».
وأخطر ما يمكن أن يحدث بعد انتهاء العقوبة هو أن تتحول الذاكرة الاجتماعية إلى محكمة دائمة، بلا قاض ولا مدة ولا حق في الاستئناف. عندها لا تبقى الإدانة مرتبطة بفعل وقع في الماضي، بل تتحول إلى هوية تلتصق بالإنسان وتحد من قدرته على بناء مستقبل مختلف.
الدولة التي تنفذ العقوبة تطبق القانون، لكن الدولة التي تضمن شروط العودة إلى المجتمع تحمي القانون والمجتمع معاً. فإعادة الإدماج ليست مكافأة، ولا تنازلاً عن متطلبات الأمن، ولا شهادة سياسية بالبراءة، وإنما امتداد طبيعي لفكرة العقوبة المحددة زمنياً، ووسيلة لمنع تحول السجن المؤقت إلى إقصاء اجتماعي مفتوح.
ولهذا يصبح التمييز ضرورياً بين ثلاثة مستويات لا ينبغي خلطها: المسؤولية الجنائية التي فصل فيها القضاء، وتنفيذ العقوبة داخل المؤسسات السجنية، ثم أوضاع الشخص بعد انتهاء العقوبة في حقه وحاجته إلى فرص حقيقية للاندماج.
الدفاع عن المستوى الثالث لا يعني إنكار الأول ولا الطعن في الثاني، بل يعني ببساطة أن للعقوبة، في دولة القانون، بداية ونهاية.
فالتعاطف، مهما كانت قيمته، لا يوفر وظيفة، ولا يمول علاجاً، ولا يحل مشكلة سكن، ولا يسوي وضعاً إدارياً، ولا يعيد سنوات طويلة ضاعت من المسار المهني. كما أن الإدماج لا يتحقق بالتصريحات وبيانات النوايا، وإنما يحتاج إلى معطيات دقيقة، وبرامج واضحة، وتمويل معلوم، ومسؤوليات مؤسساتية محددة، وآجال قابلة للتتبع.
ومن هنا تبرز أهمية أحد أبرز المقترحات التي يطرحها الملف: إنجاز دراسة وطنية مستقلة ترصد أوضاع قدماء المعتقلين حالة بحالة، عوض التعامل معهم ككتلة واحدة متجانسة، لأن الأوضاع والحاجات تختلف من شخص إلى آخر، ولا يمكن اختزالها في وصف واحد أو معالجة واحدة.
قد يحتاج أحدهم إلى متابعة صحية أو نفسية، ويحتاج آخر إلى تكوين مهني أو مواكبة للولوج إلى سوق الشغل، فيما تتطلب حالة ثالثة تسوية إدارية أو دعماً اجتماعياً أو مساعدة أسرية. ولذلك يبدأ الإنصاف الحقيقي من التشخيص الفردي للحاجة والضرر، لا من الأحكام العامة ولا من الحلول الموحدة.
وحتى مفهوم «جبر الضرر» يحتاج إلى قدر كبير من الدقة حتى يحتفظ الملف بقوته الحقوقية والقانونية.
فلا يتعلق الأمر بإقرار تعويضات جماعية أو تلقائية لكل من قضى عقوبة سجنية، وإنما بفتح مسار مؤسساتي يحدد الأضرار الفعلية والمستمرة، ويتحقق من طبيعتها ومدى ارتباطها بتجربة الاعتقال أو بصعوبات ما بعد الإفراج، ويقيّم كل حالة على حدة، قبل تحديد الشكل الملائم للمعالجة، سواء تعلق الأمر بالتأهيل الصحي والنفسي، أو الإدماج المهني، أو تسوية أوضاع إدارية واجتماعية، أو غير ذلك من التدابير التي يثبت استحقاقها وفق معايير واضحة وشفافة.
بهذه المقاربة، يصبح جبر الضرر آلية للإنصاف مبنية على التشخيص والاستحقاق، لا مطلباً مفتوحاً بلا ضوابط، بما يحفظ حقوق المعنيين ويضمن في الوقت نفسه جدية المؤسسات ومصداقية المسار.
ويمتلك المغرب تجارب يمكن البناء عليها، إذ وسعت تجربة العدالة الانتقالية مفهوم جبر الضرر إلى ما يتجاوز التعويض المالي، ليشمل التأهيل الصحي والنفسي والإدماج الاجتماعي وتسوية بعض الأوضاع الإدارية والوظيفية، كما راكم برنامج «مصالحة» تجربة في تأهيل المدانين في قضايا التطرف والإرهاب ومواكبتهم استعداداً للعودة إلى المجتمع.
لكن الامتحان الحقيقي يبدأ بعد فتح باب السجن.
فيمكن للسجين أن يستفيد من التأهيل والتكوين والمواكبة داخل المؤسسة السجنية، لكن جزءاً كبيراً من هذا الجهد قد يفقد أثره إذا اصطدم خارجه ببطالة طويلة، ووصمة اجتماعية، وأسرة أنهكتها سنوات الاعتقال، وأوضاع صحية بلا متابعة، وأبواب مهنية موصدة بسبب الماضي.
ولهذا لا ينبغي قياس نجاح برامج إعادة التأهيل فقط بعدد المستفيدين منها أو الأنشطة المنجزة داخل المؤسسات السجنية، بل أيضاً بقدرة المستفيدين، بعد سنوات من مغادرتها، على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، واستعادة حياة مستقرة، وعدم السقوط مجدداً في الهشاشة والعزلة.
عند هذه النقطة يتجاوز الملف طابعه الفئوي، ويتحول إلى سؤال يمس جوهر دولة القانون نفسها.
فالعقوبة في دولة القانون تكون محددة بالفعل والمدة والغاية. أما إذا استمرت نتائجها الاجتماعية إلى أجل غير معلوم عبر الإقصاء والبطالة والوصم والحرمان من فرص العيش الطبيعي، فإن الشخص يجد نفسه أمام عقوبة ثانية غير مكتوبة، لم ينطق بها قاض ولم يحدد القانون مدتها.
والمسؤولية هنا ليست ملقاة على جهة واحدة. فالحكومة معنية ببناء سياسة واضحة لما بعد العقوبة، والبرلمان قادر على استدعاء القطاعات المعنية وجمع المعطيات ومساءلة السياسات والبرامج، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان يمكنه فتح مسار مؤسساتي للاستماع والتقييم واقتراح الحلول، فيما تملك الأحزاب أدوات سياسية وتشريعية تتجاوز لغة التضامن المناسباتي.
لكن المجتمع نفسه يظل طرفاً أساسياً في المعادلة، فلا يمكن مطالبة الإنسان بالاندماج، ثم إغلاق الأبواب التي تجعل هذا الاندماج ممكناً، ولا يمكن للدولة أن تخبره بأن ملفه القضائي قد انتهى، بينما يقال له في سوق الشغل والحي والعلاقات الاجتماعية إن ماضيه لن ينتهي أبداً.
القضية، في جوهرها، ليست معركة لإعادة محاكمة الماضي، لا بالبراءة ولا بالإدانة، وإنما معركة لمنع الماضي من ابتلاع ما تبقى من حياة أشخاص انقضت العقوبة في حقهم، سواء بتنفيذها أو بالعفو.
وليست الدعوة إلى الإدماج مطالبة بنسيان ما وقع، وإنما رفض لتحويل أحداث وقعت قبل أكثر من عشرين سنة إلى حكم اجتماعي مؤبد على أشخاص انتهت العقوبة في حقهم وفق القانون.
لقد خرج هؤلاء من السجن، لكن السؤال الأكثر إحراجاً للمؤسسات والمجتمع هو: هل انتهى السجن بخروجهم منه، أم أن بعضهم انتقل فقط من عقوبة معلنة ومحددة بسنوات إلى عقوبة صامتة لا يعرف متى تنتهي؟
عندها يصبح الإدماج أكثر من خدمة اجتماعية، وجبر الضرر أكثر من تعويض، والمواطنة أكثر من وثيقة هوية. تصبح جميعها اختباراً لقدرة الدولة والمجتمع على منح الإنسان فرصة فعلية لاستعادة مكانه والبدء من جديد.
فالعدالة لا تُقاس فقط بقدرة المؤسسات على ضمان تنفيذ الأحكام، بل أيضاً بقدرتها على ضمان أن تكون للعقوبة نهاية فعلية عندما تنتهي قانوناً.
ودولة القانون لا تُختبر فقط حين يُحاسب من خالف القانون، وإنما أيضاً حين تمنع أن تتحول عقوبة محددة بحكم قضائي إلى «مؤبد اجتماعي» لم ينطق به قاض ولا ينص عليه قانون.
إذا قال القانون إن العقوبة انتهت، فمن يملك حق تحويلها إلى مؤبد اجتماعي؟
